الصالحي الشامي

255

سبل الهدى والرشاد

بوجه منهم ما دام الحال على المتاركة كأنه قيل فهل يحصل نصر عليهم وظفر بهم ( بالمعاركة ) فأجاب بهذه الصورة بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين . ولكنه لما لم يكن ذلك بالفعل الا عام حجة الوداع يعني بعد فتح مكة بسنتين كان كأنه لم يستقر الفتح الا حينئذ ، فلم ينزل سبحانه هذه السورة الا في ذلك الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين قبل ذلك . فقال تعالى : ( جاء ) ) ولما كانت المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها ، يسوقها إليها سائق القدرة فتقرب منها شيئا فشيئا كانت كأنها آتية إليها فلذلك حصل التجوز بالمجئ عن الحصول فقال ) : ( جاء ) أي استقر وثبت في المستقبل لمجئ وقته المضروب له في الأزل ، ( وزاد عليه في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها إلى ا سم الذات فقال ) : ( نصر الله ) أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا أمر لاحد معه على جميع الناس في كل أمر تريده ، ولما كان النصر درجات وكان قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة إليه ثم بكونها إلى الاسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها صرح به فقال : ( والفتح ) اي الذي نزلت سورته بالحديبية مبشرة بغلبة حزبه الذي أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم ( لا سيما ) على مكة التي بها بيته ومنها ظهر دينه ، وبها كان أصله وفيها مستقر عموده وعز جنوده ، فذل بذلك جميع العرب ، ( وقالوا : لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم ) ففروا بهذا الذل حتى كان ببعضهم هذا الفتح ، ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد ، وللإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط ولتحققها عبر عنه ب‍ X ( إذا ) . ( ورأيت الناس ) : أي العرب كانوا حقيرين عند جميع الأمم فصاروا بك هم الناس وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعا ( يدخلون ) شيئا فشيئا محددا دخولهم مستمرا ( وفي دين الله ) أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال الخلق بقهره لهم على الكفر ( الذي لا يرضاه لنفسه عاقل ترك الحظوظ ) وفي حال طواعيتهم بقشره لهم على الطاعة وعبر عنه بالدين الذي معناه الجزاء لان العرب كانوا لا يعتقدون القيامة التي لا يتم الجزاء بها . ( أفواجا ) أي قبائل وزمرا ، زمرا وجماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها ، أمة بعد أمة ، في خفة وسرعة ومفاجأة ولين ، واحدا واحدا أو نحو ذلك ، لأنهم قالوا : أما إذا ظفر بأهل ا لحرم ، وقد كان الله تعالى أجارهم من أصحاب الفيل ( الذين لم يقدر أحد على ردهم ) فليس لنا به يدان ( فتبين من هذا القياس المنتج هذه النتيجة البديهية بقصة أصحاب الفيل ما رتبه ا لله الا ارهاصا لنبوته وتأسيسا لدعوته فألقوا بأيديهم وأسلموا قيادهم حاضرهم وباديهم ) . ولما كان التقدير : فقد سبح الله تعالى نفسه بالحمد بابعاد نجس الشرك عن جزيرة العرب بالفعل قال : ( فسبح ) أي نزه أنت بقولك وفعلك ( بالصلاة وغيرها ) موافقة لمولاك لما فعل تسبيحا ملبسا ( بحمد )